أنا و أنا و خالي …….. هذيان ..
إنه النظام ..
طعمُه أكره من طعمِ ذباب السيف , يمضي على الكبير والصغير , والأبيض والأسود , والرجل والمرأة , ( وذي اللحية وحالِقِها ) , لا يفرّق أبداً بين هؤلاء أجمعين , فهو كالموت تماماً , وكما أقول الشاعر : …
- عفواً , انتظر قليلاً , كيف تقول : “كما أقول الشاعر” ؟ ما سمعتُ بمثل هذه الجملة قط .
- أووه .. آسف جداً , كنتُ أريد أن أبيّن أن البيتينِ اللذَيْنِ سأوردهما لي , وأني أنا من قلتُهما .
- ولكن يا ( أنا ) .. هل أنت شاعر ؟
- أووووه يا ( أنا ) .. أرجوك لا تزعجني , فلا أريد أن أضيعَ وقتَ القرّاء الكرام , وسأغير تلك الجملة كما تريد , ولكن بشرط أن تدعني وشأني ..
حسناً .. آسف جداً أيها الكرام , وأرجو أن تعذروا ذلك المسكين ( أنا ) , فهو حبيسُ ( بيروقراطية ) مُعيّنة لا أدري من أي نوع هي , ولكنها أقربُ ما تكون إلى ( بيروقراطية اللغة والنحو ) وربما أحياناً ( بيروقراطية الفكر والثقافة ) لا أدري إن كان هناك بيروقراطية من هذا النوع أم لا , ولكن هكذا أفسّرها بعض الأحيان , ودائماً ما يصيبني بالإحراج أمام أصدقائي , فكلما أراد التصحيح للكثير من هرائهم وهرطقاتِهم ولَغَطِهم , قالوا – متذمرين – : ” أوووه , أرجوك لا تتفلسف علينا ” , ثم لا أملك إلا أن أنظرَ إلى موضعِ قدميّ خجلاً واستحياءً , وكان دائماً ما يتفلسف عليّ ذلك المسكين ( أنا ) متى ما خلوتُ به , ويقول لي : ” دعْكَ منهم فإنك على الحق ” ويعزّيني ويحاول أن يسرّيَ عنّي , ويخبرني أن خجلي ذلك واستحيائي , إنما يكونان لأني أعيش غربةً معينة أشبه ما تكون بغربة الإسلام في هذا الزمن , ولا أكتمكم أنني أصدّقه دائماً فيما يقول , ولكني أيضاً لا أريد أن أخسرَ أصدقائي , وكنتُ أحاول إقناعـَه دائماً بأنه لا بأس على المرء أن يضحّيَ بشيء من ذلك الحق في سبيل ألا ّيخسرَ أصدقاءَه , ولكني فشلتُ في كل محاولاتي , وكان ثابتاً كصخرة الوادي , المهم , دعونا من ( أنا ) ولنعدْ إلى حديثنا , ولكن إلى أين وصلنا ؟
نعم نعم , قلنا أن النظامَ كالموتِ تماماً لأنه لا يفرق بين أحد , كما قال الشاعر : …
- هل ارتحتَ الآنَ يا ( أنا ) ؟
- نعم , ولكني أفضّل أن تقول : ” كما يقول الشاعر ” ..
- وما الفرقُ أيها الذكي ؟
- ماذا ؟؟! .. فرقٌ شاسع كما بين السماء والأرض , فـ ( قال ) فعلٌ ماضي , و ( يقول ) فعلٌ حاضرٌ مضارع
- نعم أعلم ذلك , ولكن ما الفرق بين الماضي والحاضر في هذه الجملة ؟ وما الذي سأفيدُهُ من قولي : ” كما يقول الشاعر ” ؟
- يا حسرةً عليك , طالما نصحتُكَ أن تتركَ أصدقاءَك , هل علمتَ الآن لماذا أنصحكَ بذلك ؟
- ولكن …
- المهم , الفرق يا عزيزي ( أنا ) بين الماضي والمضارع هو أن المضارع يفيد ( الديمومة والتجدد ) , وأنا أريد لأبياتك أن تكون حاضرةً في كل وقتٍ ومكان , فتكونَ شاعرَ الزمان , لذلك أرجوك قل : ” كما يقول الشاعر ” ..
- حسناً حسناً , سأقولها , ولكن أرجوك لا تغضبْ عليّ , فمن لي بعد الله سواكَ يا ( أنا ) يسلّيني ويعزّيني في هذه الدنيا إذا غضبتَ عليّ ؟
أرأيتُم أيها الكرام كيف هي حالي مع ( أنا ) ؟
هكذا أنا معه دائماً , يقف في وجهي حينما أُقدم على أي أمر يراه خطأً فيصححهُ لي , ودائما ما تدمغني حُجـّتـُهُ , ويُعيِيني كلامُه , فلا أملك إلا ّ أن أطيعَه , فأنا لا أريد أن يغضبَ عليّ , لأنني أعلم تماماً أن غضبَه عليّ يعني أن أُصابَ بداء ( انفصام الشخصية ) ..
نعم , وهل داءُ الانفصام إلاّ أن تغضبَ نفسُ المرءِ وذاتُه عليه ؟ فتجده معها في شقاقٍ دائم , حتى في كأس الماء يرفعُها ليشربـَها فتنهاهُ نفسُه عنها وتزجرُه , ثم لا يأبه بها , ويحاول شربَ الكأس , فلا تطيعه نفسُه ولا يستطيع وكأنّ أحداً ما يسحبُ يدَهُ ويشدّها , وإن هو استطاعَ شربـَها , طاش غضبُ نفسِه عليه , ونزلتْ عليه ضرباً وجلداً بالهموم , وسامتـْه أشدَّ العذاب , ثم تراه بعد ذلك مُنهدّ القوى , خائراً , يتخبط في لوعتِه وهمومه وكأنّ به مسّاً من جانّ , وتعبث به الوساوسُ والأوهام وكأنه لم يشربْ ماءً بل شرب حميما .
كلا ّ, لا أريد ذلكَ كلـَّه , لذلك أنا أطيع ( أنا ) دائماً , ولا أعصي له أمراً , كي لا يغضبَ عليّ , فاللهم اغفر لـ ( أنا ) وارحمه وأدِمِ المحبةَ والوفاءَ بيني وبينه .
لنعدْ الآن لحديثنا , ولكن أين وصلنا ؟ نعم , قلنا أن النظامَ كالموت لأنه لا يفرق بين أحد ( كما يقول الشاعر ) :
لا يعرف الموتُ أنثى حين يطلبنا
ولا يفرّق بين الطفـــل والرجـــل ِ
كلا ّولا بين من طــــالتْ سلامتُـهُ
وبين من غاص في دوّامةِ العِلـل ِ
نعم , هذا هو النظام الذي لم يرأفْ بخالي , الذي قطعَ إشارةَ المرور , فأُدخل السجنَ بسبب ذلك .
ليست المرةَ الأولى التي يدخل فيها السجنَ , ولكن المصيبةَ هي أن السيارة التي ذهبوا به عليها إلى السجن لم تكن كسيارات الشرطة الزرقاء الجديدة المُكيّفة , بل كانت ( باصاً كباصات (خط البلدة) ) , لو خُيّر أحدٌ بينه وبين حمارٍ – أجلكم الله – ليركبَ عليه لما تردد في اختيار الحمار , والمصيبة كذلك في رُكّاب ذلك الباص الأحمق , لن أتحدّث عنهم كثيراً , ولكن ما ظنكم بامرئٍ لم يغتسلْ منذ شهر ؟
ولو كانَ مرءً واحداً لاتـّقيتـُه
ولكنــّه مرءٌ وثــــان ٍوثالثُ
غفر الله لك ياخالي ( البريء ) ما كان أجدرَ بك أن تقطعَ الإشارة , ثم ألا تُرعبُكَ وتردعُك الغراماتُ الكثيرة التي غـُرّمتَ بها جرّاء مخالفاتِك ؟
كم أتمنى أن تُدفعَ تلك الغراماتُ لي , لأشتريَ بها عدسة ( نيكون ) Nikon 70-200 VR (1)
هذه أبيات بسيطة , كتبتُها باللغة العامّيّة النجدية , والسبب في ذلك هو أني لستُ رجعيّا أو ( ديناصوراً ) , لأكتب باللغة الفصحى التي يبلغ عمرُها آلافَ السنين , بل أنا عصريّ و أواكب التقدّم ولذلك كتبتــُها باللغة العامّيّة التي لا يتجاوز عمرُها ثلاثــَمئةِ سنةٍ تقريباً ..
|
ياللي بتوبيس الشرطة راكب مع الجنود |
|
اليوم يومك يا عـدوّ الإشـــارة |
|
عزّي لحالك ونت راكب مع الهنـود |
|
مابين ريـح صنان وريحـة زقارة |
|
مرحـوم ياللي بالكلبشــات مقيـود |
|
شالــوك مثل المجرمين السكارى |
|
لدار العـقارب والصوارير والـدود |
|
تنام بين أهـل الخـنا والدعــارة |
|
كل ما تبي يا خال بالسـجن موجود |
|
آمـر ترا حارسك رهن الإشــارة |
|
إن شيـت شاهي سكّره مب موجود |
|
ولا ّ قهوتـن صايـدتن ذيـل فارة |
|
الله يجيـرك والعشـا خبز مفرود |
|
يابس تطرّه من العســاكر طرارة |
|
وكم واحدن بالحبس نذلن ومقرود |
|
ثقيل الطين وكن وجهــه غضـارة |
|
تلعب معه بالوت وتضرب له العـود |
|
صـنّ وحكم تلعـب بفـن ومهـارة |
|
ولـيا نكبـته فـانت خاسر ومطرود |
|
يقلب لك الدنيا وتجــيك البشـارة |
|
أبشـر تـراك اليوم مجلود مجلود |
|
والله لامـرمط معدتك والمـــرارة |
|
ويجيك بعـقالن كما الحبل مشـدود |
|
ويجلـدك جلد بيمنـته وبيســاره |
|
وله شلـّـتن صايرن لهم تقل معبود |
|
محــدن يخالف كلمته أو قــراره |
|
إلـيا أمر فـزّوا كما طـلق بـارود |
|
ورّوك نجوم الليل بأوسط نهـــاره |
|
تشوفهــم عليهم بـروق ورعـود |
|
مثل الحطـب ثاير ومشبـوب بناره |
|
خذ علـم واحـدن تعـدّوا به الحدود |
|
لقوه يصـوّر عند باب العمــارة |
|
شالوه وكنـّه سبـع الأسباع مصيود |
|
وغطوا عيونه واركبوه بغمــارة |
|
قالوا : ترا التصوير بالسـوق منقود |
|
ومحدن يفيده حجـّته واعتــذاره ! |
|
قال : تخسون وقولـكم كذب ومردود |
|
و سمحن بها سلطان بأوضح عبارة |
|
قالوا : لزوم توقـع عقـود وعهود |
|
انك تـتوب وتلـتـزم بالشــطارة |
|
الله حسيـبهـم غثيـثين ونكــود |
|
أنا اشهد انّ اللـي فعلـوبه عيارة |
|
وأنا اشهد انه من العـذاريب مبعود |
|
ما يعـرف الا بيتـهم والمنــارة |
|
فنان ومبدع والرجاجيل له شهـود |
|
حاز الصــدارة بكل حق وجـدارة |
|
يا واهنـي ياللي عن الحبس مبعود |
|
يعيش مستـانس ومرتــاح بداره
|
- تعال يا ( أنا ) , أريد أن أقول لك شيئاً قبل أن تذهب .
- ماذا تريد ؟
- لماذا جعلتَ عنوان الموضوع : أنا و أنا و خالي ….. هذيان ؟ لماذا وصفتـَه بالهذيان ؟ يجب عليك أن تحترمَ كلَّ ما قلتـُه لك وتحـ …
- ( قاطعتُه قائلاً )اسمع يا أنا
- ماذا تريد ؟
- اخــــــــــرس …
أسامة ,
(1) يصل سعرُ هذه العدسة إلى سبعة آلاف ريال .